ابن تيمية
86
مجموعة الفتاوى
وَلِهَذَا الْفَلَاسِفَةُ الْمَحْضَةُ - الْبَاقُونَ عَلَى مَحْضِ كَلَامِ الْمَشَّائِينَ - يَرَوْنَ أَنَّ ابْنَ سِينَا صَانِعَ الْمِلِّيين لَمَّا رَأَوْا مِنْ تَقْرِيبِهِ وَجَهِلُوا فِيمَا قَالُوا وَكَذَّبُوا لَمْ يُصَانِعْ وَلَكِنْ قَالَ - بِمُوجِبِ الْحَقِّ وَبِمُوَافَقَةِ أُصُولِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ - مَا قَالَهُ مِن الحَقِّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ كَمَا أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ الإلهيين الْمَشَّائِينَ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَبِبَقَاءِ الرُّوحِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَاسِفَةٌ كَثِيرُونَ مِن الطَّبِيعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بَلْ وَبَيْنَ الإلهيين مِن الفَلَاسِفَةِ خِلَافٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ حَتَّى الْفَارَابِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُمْ الْمُعَلِّمُ الثَّانِي يُقَالُ : إنَّهُ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ تَارَةً بِبَقَاءِ الْأَنْفُسِ كُلِّهَا وَتَارَةً بِبَقَاءِ النُّفُوسِ الْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ . كَمَا قَالَهُ فِي آرَاءِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ وَتَارَةً كَذَّبَ بِالْأَمْرَيْنِ وَزَعَمَ الضَّالُّ الْكَافِرُ : أَنَّ النُّبُوَّةَ خَاصَّتُهَا جَوْدَةُ تَخْيِيلِ الْحَقَائِقِ الرُّوحَانِيَّةِ وَكَلَامُهُمْ الْمُضْطَرِبُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ لَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا ذِكْرُهُ . وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ وَالْفَلْسَفَةَ الْأُولَى عِلْمُ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَوَاحِقُهُ ؛ حَتَّى إنَّ مَنْ لَهُ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُسْلِمِينَ - كَابْنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ - يَتَكَلَّمُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ إسْلَامِيٌّ مَحْضٌ ؛ فَيَبْنُونَهُ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ الْفَلْسَفِيَّةِ . كَقَوْلِ ابْنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ فِي أَوَّلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مُوَافَقَةً لِابْنِ سِينَا وَمِنْ قَبْلِهِ : الْعُلُومُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تُقَرَّرُ مَبَادِئُهَا فِيهَا ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ فَإِنَّ مَبْدَأَ الْعِلْمِ أُصُولُهُ